برامج التعليم الأكثر صعوبة في مجال الأسواق المالية

مع تطور الأسواق المالية وتوسعها لتطال شرائح متعددة ومتنوعة من المستثمرين أو المضاربين، أصبح عامل المعرفة الركيزة الأساسية التي تلعب دوراً مفصلياً في نجاح أو فشل التجربة الاستثمارية للمتداولين.

هذه المعرفة لم تعد حدودها تقتصر على متابعة مجريات الأسواق وفهم دينامية تحركاتها وإنما اتخذت شكل الإنتاج الذاتي للمعلومة المفيدة التي من شأنها أن تضيء على فرص استثمارية ليست ملحوظة لعموم المتداولين، وهذا ما يتطلب مستوى إستثنائي من الخبرة والتحصيل العلمي الفريد والمتخصص جداً. في هذه المقالة سنحاول الإضاءة على أهم وأصعب الشهادات التخصصية التي يحملها كبار مدراء محافظ التحوط من الجيل الأخير.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه البرامج المهنية لا يمكن الإنضمام إليها إلا بعد إتمام التحصيل الجامعي في مجالات محددة كالإدارة المالية والرياضيات والهندسة، فضلاً عن إمتلاك المنتسب مستوى خبرة لا يقل عن 3 سنوات كمتداول فعلي في الأسواق المالية.

قبل الخوض في غمار الشرح عن ماهية وآلية هذه الشهادات، لا بدّ من توضيح اللغط الحاصل حول برنامج الـ CFA (Chartered Financial Analyst) حيث يقع الكثير من الشباب الذين يطمحون لتطوير قدراتهم التداولية في خطأ الإنتساب لدراسة هذا البرنامج الذي وبالرغم من صعوبته والطلب الملحوظ عليه عالمياً، إلا أن توجهه والمحتوى الأكاديمي الذي يقدمه لا يفيد عملياً في اكتساب تقنيات لاقتناص الفرص في السوق المالي. الهدف من شهادة الـ CFA هو تطوير قدرات التحليل والتقييم المالي للأصول وليس تحليل تحركات السوق. لذلك من يريد أن يرسم لنفسه مساراً مهنياً بشكلٍ خاص كمضارب في الأسواق المالية عليه التحول إلى الشهادات المتخصصة في هذا المضمار والتي سنستعرض الثلاثة الأهم منها فيما يلي.

الشهادة الأولى هي الـ CMT (Chartered Market Technician) بمستوياتها الثلاث التي تصقل قدرة التحليل الفني وتقنيات إدارة المحافظ لمن يتمكن من نجاحها. المعدل العام المطلوب لنجاح كل مستوى هو 70% ويشترط للمنتسب أن يكتسب خبرة فعلية لا تقل عن ثلاث سنوات من أجل الحصول على شهادته كخبير معترف به في إدارة المحافظ. ونظراً لصعوبة المنهج، يوجد فقط 1387 حامل لهذه الشهادة حول العالم بحسب الموقع الرسمي cmtassociation.org، وقد أصدرت هيئة الأسواق المالية الأميركية تعميماً يقضي بمعادلة شهادة ال CMT مع شهادة  series 86 مما يعطي لحامليها الصفة القانونية لنشر التقارير والأبحاث وإعطاء التوصيات والقيام بكل المهام الاستشارية المتعلقة بالأسواق المالية.

 

الشهادة الثانية هي الـ FRM (Financial Risk Management) وهي شهادة تخصصية على مرحلتين، هدفها إعطاء أدوات التحليل الرقمي والإحصائي من أجل إدارة مخاطر تقلب السوق وأثرها على المحفظة المالية. صعوبة هذه الشهادة تكمن في ضرورة فهم المعادلات الرياضية وعلم الإحصاء، بالإضافة إلى خصائص العمل مع أدوات التحوط والمشتقات المالية ولا سيما عقود الخيارات. إزداد الطلب على هذه الشهادة بشكل مطرد في مختلف المؤسسات المالية والبنوك، لا سيما بعد الأزمة المالية العالمية في سنة 2008 حيث تبين أن جوهر الأزمة متعلق بالتقييم الخاطئ لمخاطر سندات الرهن العقاري، ولذلك يكتسب حالياً هذا البرنامج جاذبية كبرى نظراً لمقاربته الرقمية البعيدة عن التقييم الشخصي للمخاطر ونظراً للمنهج المتقدم والموحد في كل مراكز التدريب حول العالم.

 

وأخيراً، الشهادة الأصعب والأكثر تقدماً وهي الـ CQF (Certificate in Quantitative Finance) التي تستهدف شريحة المهندسين وحاملي الشهادات في العلوم الرياضية والفيزيائية. عملياً البرنامج العلمي لهذه الشهادة من شأنه أن يكسب حاملها القدرة على خلق نماذج ومعادلات رياضية يتم تطبيقها في السوق المالي من خلال برامج التداول الآلي (Algorithmic Trading) حيث الهدف من بناء النموذج هو تفسير تحركات الاصول المالية عبر القواعد الرياضية. القبول لدراسة هذه الشهادة يخضع لشروط قاسية جداً، حيث يتم إجراء مقابلتين مع الشخص المتقدم للدراسة بالإضافة إلى إخضاعه لإمتحاني تقييم في الرياضيات والجبر قبل صدور القرار بقبوله أو رفضه. في منطقة الشرق الأوسط هناك فقط 30 شخصاً يحملون هذه الشهادة والإقبال العالمي عليها يتزايد بوتيرة مهولة نظراً للمحتوى الاستثنائي والمقاربة الكمية الشديدة الصعوبة والتعقيد التي تقدمها الـ CQF. هنا تجدر الإشارة إلى أن أحد أهم المحافظ في العالم وهو صندوق Renaissance Fund يوظف فقط الأشخاص المتخصصين في مجال التحليل الكمي الذي تستهدفه هذه الشهادة.

إذن من يريد أن ينضم إلى الطبقة النخبوية المتحكمة بلعبة السوق المالي والمسيطرة على المعلومة الذهبية التي تكشف لغز الإستثمار عليه أن يستثمر في نفسه أولاً في واحدة من هذه الشهادات التي أضأنا عليها ولو بشكل سريع ومقتضب.

نبذة عن الكاتب

[:ar]علي حيدر[:en]Ali Haidar [:]

بعد خبرته كمتداول لأكثر من 6 سنوات تمكّن علي من بناء خبرة معمّقة في حركة الأسواق الماليّة وآلية التداول بأصول مالية مختلفة. إلى جانب مسيرته المهنية، كان علي أستاذاً جامعياً يدرّس مقرّرات في مجال الإدارة المالية. قبل انضمامه إلى شركة أمانة كابيتال، عمل علي كأمين صندوق في بنك لبناني. وهو حائز على شهادتي ماجستير الاولى في اللإدارة الماليّة والثانية في إدارة الأعمال، يجذب إهتمام علي في هذا المجال الواسع تداول الخيارات، استراتيجيّات التحوّط والتحليل الأساسي.

مقالات ذات صلة

تابعونا @ Instagram

Instagram has returned invalid data.